محمد بن عبد الله الصفار
98
رحلة الصفار إلى فرنسا
عناصر أكد مدى قابليتها للتمزق خلال اللحظات التي تستغرقها الرحلة . لقد وجد الصفار نفسه منذ وصوله إلى فرنسا أمام مشاهد وأشياء مثيرة كانت جميعها غير معهودة لديه . وشكلت العلاقة بين الزمان والمكان عنصر ارتباك فوري وآني لدى محمد الصفار ، بفعل التباين التكنولوجي الموجود بين فرنسا والمغرب . إذ قدم الرحالة من عالم يتنقل فيه المسافرون على الأقدام أو على الدواب ، ليحل بأوربا التي دشنت وقتها انتقالها من مرحلة الاعتماد على القدرات الحيوانية إلى القوة الميكانيكية . وفي المغرب يمكن أن يقطع المسافر مسافة طولها ثلاثة أو أربعة أميال في ساعة زمنية ، حسب الأحوال التي تكون عليها مسالك المرور . أما في فرنسا فقد كانت نسبة السرعة حسب المدة الزمنية ، تفوق ذلك بمرتين حتى في حالة استعمال وسائل النقل المعتمدة على القوة الحيوانية ؛ إذ بلغت سرعة الأكداش الفرنسية في أربعينيات القرن التاسع عشر حوالي ستة أميال في الساعة ، وهي نسبة تبدو مع ذلك هائلة جدا في نظر إنسان مغربي « 1 » . وكان لقاء الصفار للمرة الأولى مع تلك الأبعاد الجديدة للسرعة أثناء تنقله في العربة بين مرسيليا وأورليان . وعندما صعد إليها ، انخدع بمظهرها فبدت له من فرط تجهيزاتها وكأنها « في الحقيقة بيت من البيوت » ، لكنها ما لبثت فجأة أن بدأت تجرها الخيول في عرض الطريق بسرعة كبيرة ، جعلت البيت الهادئ يتحول إلى قذيفة تخترق الأجواء وتحطم كل المفاهيم المعروفة عن قدرة الجسم البشري على قطع المسافات . وحينما ركب الصفار متن القطار لعبور المسافة الفاصلة بين أورليان وباريز ، ارتبكت في ذهنه كل المفاهيم المعهودة لديه عن العلاقة بين عنصري المسافة والزمن . وعلى الرغم من أن السكة الحديدية كانت لا تزال في خطواتها الأولى ، فإن القاطرة كانت تتحرك بسرعة أكبر من عربات الخيول بمعدل يقارب الثلاثين ميلا في الساعة « 2 » . لقد وصف الصفار ذلك الإحساس الغريب الذي انتابه حينما وجد نفسه
--> ( 1 ) انظر ما كتبه العروي حول سرعة التنقل ونسبها في المغرب : 44 - 54 . Laroui , Origines , pp . أما المعطيات المتعلقة بفرنسا ، فهي مأخوذة عن بينكني : Pinkney , Decisive Years . واستفدنا في المناقشات التالية حول السكة الحديدية في بداياتها الأولى ومدى تأثيراتها النفسية في الركاب مما كتبه شيفيلبوش : Schivelbusch , Railway Journey , ch . 4 ( 2 ) Pinkney , Decisve years , p . 53 .